حيدر حب الله
323
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
مسألة التحريف التي سرعان ما التقمها موضوع الظهور القرآني ، وعلى المنوال نفسه قام الحر العاملي بخلخلة عماد آخر يقوم عليه النص القرآني ، وذلك حين ادّعى أن الظهورات القرآنيّة أكثرها « بل كلّها على التحقيق » متعارضة ، وليس لدينا قاعدة يدلّ عليها دليل ويعتدّ بها المنصف في الترجيح وحلّ إشكاليّة التعارض هذه ، ولم يكتف العاملي بادّعاء تعارض النصوص القرآنية بل تعدّى إلى القول بأن الاختلاف الحاصل في نصوص السنّة أقل بكثير بالنسبة إلى اختلاف ظواهر الكتاب « 1 » . إن هذه المقولة حسّاسة جدّا يجدر بنا تحليلها ومن ثم نقدها ، إن معناها أن النص القرآني - لا أقلّ بالنسبة لنا - متناقض تناقضا داخليا ، وليس فقط غير مفهوم ، فتارة نقول : هذا النص لا نفهمه ولا يلوح لنا منه شيء ، وأخرى نقول : إن استنتاجنا وفهمنا لهذا النص يجعلنا نشعر أنه يعارض النص الآخر ، ومن الطبيعي أن الحرّ العاملي لا يريد زعم أن كتاب اللّه متناقض ، فهذا ما لم يتفوّه به مسلم ، بل يريد القول بأن فهم كتاب اللّه يفضي إلى دلالات متناقضة ، وكأن الكتاب جعل واضحا لغيرنا ، أي لأهل البيت عليهم السّلام . ونكاد في تحليلنا لمقولة العاملي أن نطمئن إلى سبب يبرّر قوله : إن اختلاف نصوص الكتاب أكثر من اختلاف نصوص السنّة ، فإن هذا القول لا يمكن أن يصدر عن مفسّر قدير خبير بالنص القرآني كالعلامة الطباطبائي ( 1981 ه ) الذي ادّعى على العكس تماما أن مثل هذه التوهّمات لا أساس لها من الصحّة ، وأن كتاب اللّه يفسّر بعضه بعضا « 2 » . إن مقولة العاملي ناجمة عن عدم اهتمام التيار الأخباري بالكتاب دون السنّة ، فكانت خبرة هذا التيار محدودة نسبيّا على هذا الصعيد ، وهو ما تؤكّده فهارس المصنّفات القرآنية في العصر الأخباري قياسا بفهارس المصنّفات المرتبطة بالحديث والسنّة ، إن الذي يخبر السنّة وتعارضاتها يسهل عليه حلّ الكثير من هذه التعارضات ، سيّما على نظريّة الأسترآبادي والمحدّث البحراني التي ذكرناها سابقا ، حول استخدام الأئمة عليهم السّلام أنفسهم سياسة التفريق بين الشيعة لكيلا يطمع بهم الحكّام والسلاطين ، ولذلك كلّه زعم العاملي أن تعارض السنّة قليل ، والعكس صحيح أيضا ، وإلا كيف يمكن القول بقلّة تعارض السنّة ولا يكاد يخلو بحث في الفقه الإسلامي من نصوص متعارضة ، كما يصرّح بذلك نص الأعرجي الكاظمي الذي نقلناه سابقا وغيره « 3 » ، فليراجع الخبير أبواب الفقه يجد ذلك جليّا ؟ ! وليس درجة التعارض هذه من كونها أوّلية لا تستعصي على الحل أو مستقرّة تأباه بمفارقة للقرآن ، فإن ما يتصوّر أنّه نصوص متعارضة يجب التأكيد أنها مستقرّة لا أوّلية .
--> ( 1 ) - الحرّ العاملي ، الفوائد الطوسيّة : 192 - 193 ، 547 . ( 2 ) - محمد حسين الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن 1 : 5 - 12 . ( 3 ) - محسن الأعرجي الكاظمي ، وسائل الشيعة في أحكام الشريعة : 4 ؛ والبهبهاني ، الفوائد الحائرية : 119 .